الذوق وعلاقته بالدين الاسلامي

رسائل

أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام .
الإسلام : عقائد ، وعبادات ، ومعاملات ، وآداب .
وموضوع الخطبة اليوم :
بعض الآداب الإسلامية ، ولكن بمصطلح جديد شاع بين الناس ألا وهو الذوق .
ونقصد بالذوق :
التناسق والجمال في المكان من الذوق
أدبيات التعامل مع الناس .. جمال التعامل بأشكاله المتعددة .. النفس المرهفة الجميلة .. الموقف الجميل ، التصرف الجميل ، الحركة الجميلة ، اللمسة الجميلة ، الكلمة الجميلة ، جمال النظام ، جمال النظافة .. جمال الأناقة ، جمال التناسق والانسجام ، جمال في البيت ، جمال في مكان العمل ، جمال في الطريق ، جمال في الأماكن العامة .
ونقصد بالذوق :
النفس الشفافة التي تفهم الخطأ وتقدر وقوعها فيه من نظرة العين ، وابتسامة الوجه .
إن الحياء شعبة من الإيمان .. والحيي هو الذي يفهم خطاه من لمحة عابرة ، ونظرة حائرة .
الناس أجناس فمنهم من أعتقد خطأً أن الذوق ، والأدب ، والخلق الرفيع ، والرّقي الحضاري .. كل هذه قيم غربية خالصة ، ولا تكتسب إلا في المدارس الأجنبية .
ومنهم من تربى على الأدب والرقي والذوق ، وظنّ أن الإسلام عكس ذلك تماما ، فتراه حينما يسمع كلمة “ متديّن “ ينتظر منه عدم اللياقة .. وعدم النظافة .. وعدم النظام .. فصار الذوق عند هذا الإنسان الواهم حاجزا بينه وبين التديّن .
ومن الناس من ظن أن الإسلام في المسجد ليس غير.!! لذلك يقول “ دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر “ وبالتالي فالأدب والرقي والحضارة وكذلك إدارة الحياة جميعها .. ليس لهذا علاقة بالدين .. والحقيقة أن ما لله لله وما لقيصر لله!
وسنعرف من خلال هذه الخطبة ـ إن شاء الله تعالى ـ وسيتأكد لنا أن الذوق والأدب ، والرقي ، والحضارة ، والشفافية ، والجمال ، والنظافة ، والنظام هي أصول كبيرة من أصول هذا الدين .
إن الإسلام جاء لتنظيم الحياة وإدارتها والسمو بها ، فالإسلام هو الحياة الكاملة .
والإنسان المتديّن الذي فهم الإسلام عبادة شعائرية ليس غير .. صلاة وصياما وذكرا وتسبيحا فهو حريص على هذه العبادة ، ولكنه لم يفهم أن الذوق جزء أساسي من أخلاق المسلم ، وأن الله لا يرضيه أن يؤذي الناس بكلمة أو بتصرف ، فإذا عامل الناس بغلظة .. وبشيء من عدم الذوق ، فتكون النتيجة أنه يفتن الناس عن دينهم . فيصبح تديّنه سببا لبعد الناس عن الإسلام .. وتجد من حوله يقولون : منذ أن تديّن أصبح فظا .. . غليظا .. غير مهتم بمظهره .
المظهر المرتب من الذوق
فالنبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق ، وحبيب الحق ، أوحي إليه ، وأوتي القرآن ، وأوتي المعجزات ، تمثل فيه الكمال البشري ، حتى قال الله له مخاطباً : وإنك لعلى خلق عظيم ، وأقسم الله بعمره الثمين فقال : لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ، النبي صلى الله عليه وسلم جميل الخلق حسن النطق ، أوتي جوامع الكلم ، عصمه الله من أن يخطئ في أقواله ، وفي أفعاله ، وفي إقراره ، وفي صفاته .. . ومع كل هذه الخصائص ، ومع كل هذه الكمالات التي هي في القمم يقول الله له على الرغم من كل هذه الخصائص :
﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 159 ]
فكيف بإنسان ليس بسيد الخلق ، ولا بحبيب الحق ، ولم يوح إليه ، ولم يؤت جوامع الكلم ، وهو مع هذا فظ ، غليظ في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ، متجهم في نظراته ، قاس في تعليقاته .
الذوق في التعامل مع الوالدين :
الاستئذان على الوالدين من الذوق
ولنبدأ بالأدب مع الوالدين ، أو ولنبدأ بالذوق في التعامل معهما :
في المنهج الإلهي إرشادات كثيرة جداً في التعامل مع الوالدين ، نكتفي بواحدة منها .
الاستئذان للدخول على الأب والأم ، تجسده آية في القرآن الكريم تبين أدب الدخول ووقته ، يقول الله تعالى :
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ﴾
[ سورة النور : 58 ]
آية في القرآن الكريم ، الذي تعبدنا بتلاوته إلى ساعة اليقين ، ترسخ قاعدة من قواعد الذوق ..
هل بعد ذلك نقول : إن الإسلام ينظم الحياة في المسجد ليس غير أم أنه ينظم الحياة كلها .. انه ينظم الحياة حتى في غرفة النوم !!
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال :
(( يا رسول الله أأستأذن على أمي ؟ ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” نعم “ ، قال الرجل : يا رسول الله أأستأذن على أمي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ” نعم “ ، قال الرجل للمرة الثالثة : يا رسول الله أأستأذن على أمي ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ” أتحب أن تراها عارية ؟ “ قال : لا يا رسول الله ، فقال صلى الله عليه وسلم : “ فاستأذن على أمك “ ))
[ رواه البيهقي في السنن الكبرى 7\97]