حديثنا عن قصة أخرى من قصص القرآن الكريم، وهي قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود، وما تلا ذلك من الآيات من قصة الرجل الذي مر على القرية، وقصة إبراهيم لما طلب البرهان من ربه قال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258].
ملك بابل إنه النمرود المتمرد على وحدانية الله وربوبيته، إنه النمروذ الذي ملك الدنيا، فيما قيل: إنه قد ملك الدنيا أربعة، مؤمنان وكافران مشارق الأرض ومغاربها، فالمؤمنان: سليمان بن داود، وذو القرنين، والكافران: نمروذ، وبختنصر، والله أعلم، نقله ابن كثير رحمه الله عن مجاهد. [تفسير ابن كثير: 1/686].
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي [البقرة: 258]، ألم يأتك خبره، ألم تعلم حاله، إنها الرؤيا العلمية، وليست الرؤية البصرية، أَلَمْ تَرَ استفهام، وتعجب، إنه للتعجيب من حال هذا الرجل المتمرد على الله، حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة: 258]، أنكر أن يكون ثم إله، وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ [الرعد: 13]. يجادلون في وجوده، هذا حاله كحال فرعون اللعين الذي قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38].
ما الذي حملهم على ذلك؟
الطغيان، والكفر الغليظ، والمعاندة، والتجبر، وطول المدة في الملك، ولهذا قال الله تعالى: أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [البقرة:258]، إذًا ما الذي جعله يتجبر ويجادل في الله؟ أن الله أتاه الملك، سبحان الله! إذًا بدلاً من أن يشكر نعمة ربه عليه أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ [البقرة: 258].
أنه يجادل في الله، يفكر بالله يتعدى على الله، ويقول: إنه هو الإله، سبحان الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وكان هذا الملك الكافر قد طلب دليلاً من إبراهيم على وجود الرب الذي يدعو إليه، فقال إبراهيم مستدلاً على الله على وجوده وربوبيته: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ إنه ربي المتفرد بأنواع التصرف، ومنها الإحياء والإماتة، وكذلك نزول الغيث، والرزق، وتصريف الرياح، وإنزال المطر، والإيجاد من العدم، قال: رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وهذا بينة واضحة على الله عز وجل وكيف يدبر الأمر، ومن تدبيره للأمور أنه يحيي ويميت، لكن هذا الطاغية قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258]، فكأنه يقول: ليس الله مستقلاً بالتصرف بالإحياء والإماتة، وأنا أيضا أستطيع أن أفعل ذلك، أتى برجلين فيما قيل قد استحقا القتل فأمر بقتل أحدهما فقتل، ثم قال للآخر عفوت عنك، فلا يقتل، و قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [البقرة: 258].
وهذا تمويه، وتزوير، ومغالطة، وكلام لا يصل ولا يمت بصلة إلى موضوع المناظرة والمناقشة، فألزمه إبراهيم بطرد دليله، قال: إذا كان دليلك صحيحًا فاطرده.
يعني: اجعله مطردًا يعني شاملاً للأشياء الأخرى، إذًا الله يأتي بالشمس من المشرق هاتها من المغرب ما دمت تقول: أنك إله وتحيي وتميت، وأنك تتصرف وتحيي وتميت تصرف في الشمس هاتها من جهة المغرب، بعكس ما تخرج منه كل يوم، فإنها تطلع من المشرق الذي يحيي ويميت لا يعجزه أن يسير الشمس كيف يشاء، فهذا الدليل الدامغ والحجة البينة التي أقامها إبراهيم على النمرود، قال: أنت تقول: أنك تحيي وتميت وأنك تتصرف في المخلوقات هذه الشمس مخلوقة تصرف فيها أخرج من عكس الجهة التي تخرج منها كل يوم.
والظاهر -والله أعلم- أن النمرود أراد أن يدعي لنفسه هذا المقام مقام الإحياء والإماتة عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل لذلك، من الذي اقتدى بالنمرود؟ الطغاة يقتدي بعضهم ببعض، من الذي سار على منوال النمرود؟
فرعون مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38]، هذه الذرية الخبيثة ذرية الجبابرة بعضها من بعض، أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ [الذاريات:53] ما دمت تدعي أيها النمرود أنك تتصرف في النفوس إحياء وإماتة فتصرف في الكواكب سخرها، هيمن على حركاتها، تحكم فيها، هذه الشمس التي تبدو كل يوم طالعة من قبل المشرق، هاتها لنا من قبل المغرب، إن كنت إله تحيي وتميت كما تزعم، فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة: 258].
وأسقط في يده، وعلم عجزه، وانقطاعه، وأنه لا يقدر على المكابرة، ولا أن يسير في مشوارها إلى النهاية، أخرس فلم يتكلم، تحير فلم يرجع بجواب، انقطعت حجته، وسقطت شبهته، وهذه حال المبطل المعاند أمام الموحد العالم، عندما يناظره لا يقوى صاحب الباطل على المواجهة، ولا يستطيع أن يثبت في ساحة النزال والمناظرة، وهكذا كلما من أراد أن يغطي الحق لا يستطيع، والذي يغالب الحق مغلوب ومقهور، ولذلك قال الله: وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [البقرة: 258].
يعني: يخذلهم لا يستطيعون الإجابة الصحيحة، ولا يهتدون إلى شيء يتقوون به في المواجهة، بل إن كفرهم وضلالهم يخذلهم أمام أولياء الله، أمام العلماء، ولذلك قالوا: العامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين، ولذلك ما يوجد واحد من المشركين الكفرة ناظر مسلمًا صاحب علم فغلبه في قضية من قضايا الشرك أو قضايا التوحيد.
وهكذا أقام إبراهيم الخليل الدليل الساطع على تفرد الرب سبحانه وتعالى بالخلق والتدبير، وأنه بناء على ذلك المستحق للعبادة وحده لا شريك له، والتوكل، والإنابة في جميع الأحوال.
وهكذا لما رأى إبراهيم من حكمته في المناظرة أن هذا النمرود يجادل في جانب نقله إلى جانب آخر لا يستطيع المجادلة فيه أوضح، كان يمكن أن يستمر معه في المجادلة في قضية الإحياء والإماتة، ويقول له أنشئها من العدم، هات النفس من العدم، تستطيع أوجد من لا شيء، أوجد لي كائنًا حيًا، سمعيًا، بصيرًا، يمشي، يتحرك، يأكل، ويشرب، ويتكلم، يسمع، ويبصر، هات من العدم أحي من العدم.
كان بإمكانه أن يأتي إلى جيفة، ويقول للنمرود: هذه الجيفة أرجعها حية تمشي وتتحرك، كان بإمكان إبراهيم الخليل أن يستطرد ويستمر في النقاش في قضية الإحياء والإماتة، لكن من حسن الدعوة، من الحكمة في الدعوة أن تنقل الشخص الذي يجادلك في الباطل في قضية له فيها شبهات وكلام إلى قضية واضحة جداً لا يستطيع أن يأتي فيها بشبهة البتة، هو بالإمكان الاستمرار في الجانب الأول، لكن رأى إبراهيم الخليل بحكمته أن ينتقل إلى جانب لا يمكن المجادلة فيه، ولو بالباطل، وهذا فيه نكتة لطيفة في طريقة مجادلة أهل الباطل، وخصوصًا في مسائل التوحيد والربوبية.
قال ابن القيم رحمه الله: “وفي هذه المناظرة نكتة لطيفة جداً” -يعني: فائدة بديعة- “وهي أن الشرك المنتشر في العالم إنما هو مستند إلى عبادة الكواكب والقبور”.
انظر إلى أنواع الشرك التي في العالم اليوم العبادة من دون الله: تجد أنها إما عبادة كواكب، أو عبادة أموات، أشخاص ماتوا، الكواكب والقبور هذه عليها مدار شرك العالم، المشركون في العالم إما أن يرجع شركهم إلى كواكب أو إلى القبور.
قال: “ثم صورت الأصنام على صورها”، فهناك صنم للشمس، وصنم للقمر، وصنم لزحل، وهكذا معابد قوم إبراهيم كان فيها هذه الكواكب مصورة يعبدونها من دون الله، ولا زال في العراق إلى الآن بقايا قوم النمرود يسمون بالصابئة، عبدة الكواكب إلى الآن موجودين في العراق، وبعضهم كان في مناصب أكاديمية، بعضهم دكاترة، ومع ذلك ما دفعهم العلم هذا الدنيوي إلى ترك عبادة الكواكب، وعبادة هذه الأفلاك من دون الله.
قال ابن القيم رحمه الله: “ثم صورت الأصنام على صورها” على صور الكواكب، وعلى صور المقبورين، ولذلك كان في قوم نوح شرك أنهم صوروا يغوث ويعوق ونسرًا صور الصالحين أصنام عبدوها من دون الله، نحتوا لهم تماثيل ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وهكذا، ومن بعدهم جعلوا أيضاً تماثيل لأشخاص وعبدوهم من دون الله.
قال: فتضمن الدليلان اللذان استدل بهما إبراهيم إبطال إلهية تلك” يعني: قضية الكواكب والمقبورين، “جملة بأن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ولا بعد مماته”، فكيف تعبدونه من دون الله؟ هو في حال حياته عاجز قاصر يحتاج إلى بيت الخلاء، ينام، يأكل، ينكح، يمرض، يموت في النهاية، كيف يصلح أن يكون إلهًا، وإذا مات من باب أولى لأنه أعجز وأعجز، الميت عاجز في قبره، فكيف يعبد حيًا فضلا على أن يعبد ميتًا.
قال: “ولا يصلح الحي الذي يموت للإلهية لا في حال حياته ولا بعد موته، فإن له ربًا قادرًا قاهرًا متصرفًا فيه إحياء وإماته، ومن كان كذلك فكيف يكون إله حتى يتخذ الصنم على صورته، ويعبد من دونه، وكذلك الكواكب أظهرها وأكبرها للحس”. [مفتاح دار السعادة: 2/205].
بالنسبة للبشر في الأرض هذه الشمس، وهي مربوبة مدبرة مسخرة، كل يوم تسجد تحت العرش، وتستأذن ربها أن تطلع مرة أخرى، فيأذن لها فتطلع، فإذا كان يوم القيامة حبست، فردت من الناحية التي طلعت منها، فهكذا تخرج من المغرب، فتكون الآية العظيمة من الآيات العشرة من أشراط الساعة الكبرى، وطلوع الشمس من مغربها [رواه مسلم: 2901].
فالشمس كل يوم تسجد تحت العرش خضوعًا لله وذلا له، وتستأذن ربها، فكيف تعبد من دون الله، ولذلك ناظر قومه فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ [الأنعام: 78].
تنزلاً معهم في النقاش، ولما أفلت قال: هذه لا يمكن أن تكون إلهًا، إله يظهر ويغيب، إله يظهر ويختفي، لا تصرف لها بنفسها بوجه ما، بل ربها وخالقها سبحانه يأتي بها من مشرقها، فتنقاد لأمره ومشيئته، لاحظ إذًا كيف إبراهيم عليه السلام كان نافذ البصر حكيمًا ذكيًا في ضرب المثل، وفي الكلام في هذه الجهة، يعني: قومه ماذا يعبدون؟ يعبدون النمرود، ويعبدون الكواكب، لما ضرب المثل، أراد أن يرد على الملك، قال: ربي الذي يحيي ويميت، إذًا لا يمكن أن تكونون آلهة، لا يمكن أن تكون أنت إله، لما قال: أنا أحيي وأميت، إبراهيم انتقل من قضية الإحياء والإماتة إلى قضية أخرى قومه قد أشركوا وضلوا فيها وهي قضية عبادة الكواكب، ومنها الشمس، يقولون: عصفورين بحجر واحد، تحقيق هدفين في ذات الوقت، قال: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [البقرة: 258] يعني: الشمس ليست إله، إن الله يأتي بها من المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [البقرة: 258].
يعني: رد عليهم في شركهم في الجهتين: في الشرك في الأشخاص، والشرك في الكواكب في ذات الوقت، وهذه قضية عميقة لمن تأملها، من تأمل إبراهيم اختار هذا، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام: 83]، إبراهيم في المناظرة والمناقشة شيء عجب من آيات الله العظيمة، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [الأنعام: 83] وقيل: إن هذه المناظرة جرت مع النمرود بعد خروج إبراهيم من النار، وروى عبد الرزاق عن زيد بن أسلم: أن الله عاقب النمرود ببعوضه، دخلت في منخريه فعذبه الله بها، فكان يضرب على رأسه بالمرازب حتى هلك. [تفسير ابن كثير: 1/687].
وهذا يشبه القصة التي فيها أن بعض الملوك من طغيانه قال لأحد العلماء عنده: لماذا خلق الله الذباب؟ يعني كأنه يريد أن يقول إن هناك شيء ناقص، يعني: ما هي الحكمة؟ فقال العالم: ليذل الله به الملوك. [الوافي بالوفيات: 4/28]، يأتي ويرده، ذبابة واحدة تزعج الملك، وهكذا جعل الله ذل النمرود ببعوضه.
إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة: 26]، فلله حكم في خلق البعوضة، والذبابة يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73]، وهذه الآية تدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة، وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله.
وقد قال عز وجل: قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [البقرة: 111]، وقال: إن عندكم من سلطان، ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ [الأحقاف:4] وقد وصف خصومة إبراهيم عليه السلام ورده على قومه في عبادة الأوثان هنا، وقال في قصة قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا [هود: 32]، وفي مجادلة موسى مع فرعون، كل هذا فيه مجادلات ومناظرات للكفار، وهذا يدل على أنها سنة الأنبياء، وأنهم يسيرون على هذا المنوال لإظهار الحق وإبطال الباطل، ودحض حجة المبطل، والرد على الشبهات، والنبي عليه الصلاة والسلام جادل أهل الكتاب كما في سورة آل عمران بل باهلهم، ودعاهم ليدعوا المبطل على نفسه منهم، تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [آل عمران: 61]، وهذا الظالم من الفريقين، ومن حق المناظرة أن يراد بها الله عز وجل، ولا يقصد بها الظهور أو التفاخر، ونحو ذلك.

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *