آداب قيام الليل:

إنّ لقيام الليل آداباً يجب على المسلم أن يتحلى بها، ومنها:

أولاً:  أن ينوي المسلم عند نومه أن يقوم الليل، وأن ينوي بنومه أن يتقوّى على الطاعة: وذلك ليحصل على الثّواب على نومه، فإذا أخذ بالأسباب وضبط منبه الاستيقاظ؛ ونوى قيام الليل ؛ وغلبه النوم أخذ الأجر كاملاً؛ لما روي عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ، يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ قَالَ : مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ ، وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ فَيُصَلِّيَ مِنَ اللَّيْلِ ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ حَتَّى يُصْبِحَ ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى ، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ. “. (ابن ماجة والنسائي والحاكم وصححه).

 ثانياً: أن يمسح النّوم عن وجهه عند الاستيقاظ: وأن يذكر الله سبحانه وتعالى، وأن يستاك، فعن عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ؛ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :” مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ؛ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ؛ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ؛ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اسْتُجِيبَ لَهُ ؛ فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ “.( البخاري) .

ثالثاً: أن يفتتح صلاته بركعتين خفيفتين: لأنّ هذا ما كان النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – يفعله، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :”

كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ” . ( مسلم ).

 رابعاً: أن يتهجّد في بيته: وهذا مستحبّ إذا كان يصلى منفرداً مع نفسه؛ لأنّ النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – كان يتهجَّد في بيته، ولحديث زيد بن ثابت – رضي الله عنه – أنّ النّبي – صلّى الله عليه وسلّم – قال:” … صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ ؛ فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ “. (متفق عليه).

فإن كان هناك جماعة في المسجد في صلاة التهجد ولا سيما في العشر الأواخر من رمضان؛ وهو يتقوى بهم على القيام ؛ وحضور مجالس العلم ؛ ففي هذه الحال يكون الصلاة في المسجد أفضل ليحصل بذلك فضل الجماعة وكثرة الخطا إلى المساجد ؛ واجتماع المصلين والاستئناس بهم وغير ذلك من الفضائل .

خامساً: أن يداوم على قيام الليل وأن لا ينقطع عنه: ومن المستحبّ أن يكون للمسلم ركعات معلومة يداوم عليها، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَحْتَجِرُ حَصِيرًا بِاللَّيْلِ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ فَيَجْلِسُ عَلَيْهِ؛ فَجَعَلَ النَّاسُ يَثُوبُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ حَتَّى كَثُرُوا ؛ فَأَقْبَلَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ خُذُوا مِنْ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ؛ وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ “. ( متفق عليه ) .

سادساً: أن يترك الصّلاة في حال غلبه النّوم، وأن ينام حتّى يذهب النّوم عنه: فعَنْ عَائِشَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” قَالَ إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ “. ( متفق عليه ).

سابعاً: إيقاظ الأهل والأولاد لاغتنام هذه الليالي المباركة: لذلك قال سفيان الثوري رحمه الله : أحب إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجد بالليل، ويُنهض أهله وولده إلى الصلاة . فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- :” رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ، نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، ورَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا، فَإِنْ أَبَى، نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ.”(أبوداود والحاكم وصححه).

إن هذه العناية بأمر الزوجة والأهل والأولاد تجعل من البيت المسلم يعيش في روحانية رمضان هذا الشهر الكريم؛ عندما يقبل الأب والأم والبنين والبنات على الصلاة والعبادة والذكر وقراءة القرآن، ولنحفزهم على ذلك الخير؛ فمن دعا إلى هدى كان له من الخير والأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً .

المسألة الخامسة: الأسباب الميسِّرة لقيام الليل:

هناك أسباب وعوامل ميسرة ومعينة على قيام الليل وتتمثل فيما يلي:

أولاً: عدم الإكثار من الأكل عند النوم: لأنه إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، قال أحدهم: من أكل كثيرًا شرب كثيرًا فنام كثيرًا فتحسَّر كثيرًا، فلا شكَّ أن كثرة الأكل تُثقل جسد الإنسان.

ثانياً: الإكثار من الدعاء: لأنَّ قيام الليل توفيقٌ من الله، هبةٌ ربَّانيَّةٌ، عطيَّةٌ رحمانيَّةٌ، فالله عزَّ وجلَّ لا يهب هذه العبادة -التي قلَّ من يطبِّقها- إلا بعد توفيق الله عزَّ وجلَّ، فتدعو الله سبحانه وتعالى وتتضرَّع إلى الله أنَّ الله يوفِّقك ويعينك، قبل أن تنام تدعو الله وتتضرَّع: يا ربّ، يا الله، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام، يا ربّ العرش العظيم، اللهم أعنِّي في هذه الليلة، اللهم أكرمني ووفِّقني وأعنِّي في هذه الليلة على الوقوف بين يديك.

ثالثاً: أكل الحلال والابتعاد عن الحرام: قال الله جلَّ وعلا: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }. ( المؤمنون: 51 ). يقول الإمام ابن كثير:” فأكل الحلال يعين على العمل الصالح “.

رابعاً: الأخذ بالقيلولة: أي: أنَّ الإنسان ينام في وسط النهار، ونومة القيلولة مستحبة عند جمهور العلماء، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ” قيلوا فإن الشياطين لا تقيل “. ( أبو نعيم بسند حسن). ولأن القيلولة تعطي النفس حظها من الراحة في النهار، فإذا جاء الليل استقبلت السهر بقوة ونشاط وانبساط فيقوي ذلك على الطاعة في الليل بالتهجد والمذاكرة ونحو ذلك. قال الخطيب الشربيني: يسن للمتهجد القيلولة، وهي: النوم قبل الزوال، وهي بمنزلة السحور للصائم.

ولهذا جاء في بعض الآثار: استعينوا بالقيلولة على قيام الليل، فلا بدَّ أنَّ الإنسان ينام في وسط النهار؛ لأنَّ الإنسان لو قام من الصباح -من الفجر مثلاً- إلى بعد صلاة العشاء، ما نام إلا بعد صلاة العشاء بساعتين أو ثلاث، كيف يستطيع أن يقوم الليل وهو في طيلة النهار يعمل ويكدح؟! لا شكَّ أنَّه لا يستطيع أن يقوم الليل إلا إذا شاء الله.

خامساً: الإكثار من ذكر الله جلَّ وعلا: لأنَّ الإكثار من ذكر الله يعطي الإنسان قوَّةً، ويعطي الإنسان توفيقًا، وانتصارًا على النفس والهوى والشيطان، ولهذا أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ بن أبي طالب وفاطمة -رضي الله تعالى عنهما- قبل النوم أن يسبِّحا الله سبحانه وتعالى عندما طلبت فاطمة خادمة أن تعمل في البيت لها، فالرسول صلى الله عليه وسلم أوصاهما أن يسبِّحا التسبيحات المعروفة سبحان الله 33، والحمد لله 33، والله أكبر 34.

سادساً: طهارة القلب وسلامة النفس من الحقد والحسد والضغينة: فلا شكَّ أنَّ أصحاب القلوب المريضة لا يوفَّقون إلى أجلِّ الطاعات وأعظم العبادات، فلا بدَّ أنَّ الإنسان ينقِّي قلبه، يصفِّي نفسه من هذه الأمراض: الحقد والحسد والأنانية والبغضاء والكراهية، حتى يوفِّقه ربُّه سبحانه وتعالى إلى هذه العبادة العظيمة.

سابعاً: ألا يرتكب الأوزار بالنهار فيحرم القيام بالليل: وهذا هو أهم الأسباب: لأنَّ الذنوب والمعاصي تحجب الإنسان عن ربه تبارك وتعالى، الذنوب والمعاصي هي سبب كل بلاءٍ وشقاءٍ ونكدٍ وحرمانٍ في الدنيا والآخرة، ولهذا قال الفضيل بن عياض -رحمه الله تعالى-: إذا لم تستطع على صيام النهار ولا قيام الليل فاعلم أنك محروم مكبَّل كبَّلتك ذنوبك، ولقد شكى بعض الناس لعبد الله بن مسعود -رضي الله تعالى عنه- الصحابي الجليل قالوا: إنَّنا لا نستطيع أن نقيم الليل، قال: أقعدتكم ذنوبكم.

حتى قال الإمام الحسن البصري: إنَّ الرجل ليذنب الذنب فيُحرم قيام الليل، فإذا حُرمت قيام الليل يا عبد الله ففتِّش عن نفسك، فتِّش عن واقعك، عن حياتك، ما الذي فعلته في نهارك؟ لعلك اغتبت أحدًا، لعلك وقعت في النظر إلى حرام، لعلك فعلت ذنب أو معصية، هذا الذنب وهذه المعصية تجعلك تُحرَم من قيام الليل.

جعلنا الله وإياكم من القائمين القانتين العابدين؛؛؛؛

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *