قصة احياء الرجل بعد اماتته فى حياة ابراهيم عليه السلام

سياق الآيات سياق يحكي موضوع وحدانية الرب وربوبيته وقدرته على التصرف في خلقه والإحياء والإماتة، فجاءت الآية التي بعدها في قصة أخرى في نفس الموضوع، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: 259]، وهذا معطوف على الآية التي قبله أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ [البقرة: 258]، وهل رأيت أيضا حال الذي مر على قرية، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ [البقرة: 259].
من هو هذا الرجل؟
الله أعلم، أبهم ولا حاجة لنا في معرفة من هو، نعم إنه مشهور بأنه العزير في بعض الأخبار كما قال ابن كثير رحمه الله ولكن ليس عندنا دليل، جائز أن يكون عزيرًا وجائزًا أنه غير عزير، كما قال ابن جرير رحمه الله ولا حاجة لنا لمعرفة اسمه، إذ المقصود العبرة من القصة، وفهم الشيخ السعدي رحمه الله أن هذا الرجل ليس بنبي، ولا مؤمن لأنه قال: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: 259] استبعد، وأن هذا لا يمكن أن مؤمنًا، ولذلك قال في تفسيره: والظاهر من سياق الآية أن هذا الرجل رجل منكر للبعث أراد الله به خيرًا، وأن يجعله آية ودليلاً للناس.
لثلاثة أوجه قال هذا الكلام واستنبط هذا الاستنباط:
الأول: قوله: أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: 259] قال: ولو كان عبدًا نبيًا أو عبدًا صالحًا لم يقل ذلك.
والثاني: أن الله أراه آية في طعامه وشرابه وحماره ونفسه ليرى الدليل بعينه، فيقر بما أنكره ويستسلم.
الثالث: في قوله: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ [البقرة: 259] ولو كان نبيًا كانت القضية متبينة من أول، فهذا لم يتبين إلا بعد ما شاهد الدليل، ولو كان مؤمنًا لكانت المسألة عنده متقررة ومتبينة من قبل. [تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: 1/112].
على أية حال، لم يذكر لنا من هو الرجل، فلا طائل في البحث عن اسمه أو تعيينه، وحتى القرية لا نعرف ما هي هذه القرية، قيل: إنها بيت المقدس، أورشليم بعدما خربها بختنصر.
أنه مر عليها وهي خاوية على عروشها، ليس فيها أحد، ساقطة سقوفها وجدرانها، ساقطة على الأرض، فتوقف متفكرًا فيما آل إليه أمرها بعد العمارة العظيمة التي كانت عليها، فاستبعد أن تعود، قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا [البقرة: 259] قال: ذلك على جهة الشك والاستبعاد، فأراد الله قلع شبهته، وإزالة الغشاوة عن عينيه، وأن يستسلم للحق، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ [البقرة: 259].
ليس يومًا ولا يومين، ولا شهرًا ولا شهرين، ولا سنة ولا سنتين، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ وكانت هذه الإماتة في هذه المدة الطويلة ليحيا بعدها، ولئلا يتوهم أن البعث يسير بعد مدة يسيرة، وإنما يعرف أن البعث ممكن ولو بعد مائة سنة، ولو بعد مدة طويلة، وأنه هين على الله، ولو طالت المدة، ولو أنه حصل ما حصل، ولو بلي الجسد، وما بقي إلا عجب الذنب، فبذلك لا يستبعد إطلاقًا بعد ذلك أن الله يعيد الأجساد والعباد مرة أخرى مهما طالت المدة عليهم، ولما أحياه بعد مائة عام قال: انْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ [البقرة: 259]، لم يتغير هذه المدة الطويلة مع أن الطعام يتغير لو ترك في الشمس يوم سويعات، وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ [البقرة: 259] أحياه الله أمامه، وأراه إياه وهو تدب فيه الحياة، وكان الحمار قد تمزق وتفرق وصار عظامًا نخرة، وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ [البقرة: 259]، ودليلاً على المعاد، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا [البقرة:259] أو ننشرها قراءتان:
نُنْشِزُهَا : النشز فيه ارتفاع الشيء فوق الشيء، انظر كيف نركب بعضها على بعض، عظام بالية قامت وركب بعضها فوق بعض تكون الهيكل واللحم، ودبت الروح في الحمار، وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا [البقرة: 259].
{ننشرها}: يعني نحييها على القراءة الأخرى، ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ [البقرة: 259] آمن قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة: 259] واعترف بقدرة الله تعالى وصار للناس آية؛ لأنهم عرفوا موته وعرفوا حياته، وعرفوا موت حماره ورجوع الحمار، وحفظ الطعام، فصار آية للناس، وليس فقط له هو لأنه قال: ولنجعلك آية للناس، فلم تكن القضية له هو، وإنما كانت للعالمين ناس في عهده، وناس بعده.

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *