زكاة الفطر أسرار وأحكام

من الأمور التي كثر الكلام حولها ( زكاة الفطر ) ؛ وفي هذا الدرس – إن شاء الله – نقف مع زكاة الفطر أسرار وأحكام ؛ نطوف حول كل ما يتعلق بها من أحكام ؛ مدعماً جميع المسائل بالأدلة من القرآن والسنة وأقوال سلف الأئمة؛ بعيداً عن الخلافات ؛ مع ربط ذلك بالواقع المعاصر ؛ وحتى تسهل المعلومة وتصل إلى الأذهان جعلت هذا الدرس في المسائل العشرة التالية:

المسألة الأولى: تسميتها :

زكاة الفطر سميت بذلك لأنها تجب بالفطر من رمضان كما سيأتي؛ وتسمى أيضاً زكاة الرؤوس لأنها تجب على الرأس؛ فحينما تريد أن تخرج زكاة فطرك نقول لك عندك كم رأس؟ ولا ننظر إلى ما لديك من أموال ؛ فقد يكون شخص واحد من الأثرياء لم ينجب ولديه أموال طائلة ؛ وقد يكون شخص آخر أنجب عشرة أولاد وهو فقير معدم ؛ فالأول يخرج عن فرد واحد مع سعته ؛ والآخر يخرج عن العشرة مع ضيقه ؛ لذلك سميت بزكاة الرؤوس أو الأبدان لأنها تتعلق بالرأس أو البدن !!

المسألة الثانية: تكريم الفقراء في العيدين الكريمين

فقد أكد الشارع الحكيم على سعادة وفرحة الفقراء في العيدين الكريمين وإدخال السرور عليهم ؛ ففي عيد الفطر فرضت زكاة الفطر طعمة للفقراء والمساكين وإغناءً لهم عن السؤال في هذا اليوم ؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:” فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ.” ( أبو داود وابن ماجة ).

وتكريما للفقير وإعلاءً من شأنه أنه أوجب عليه زكاة الفطر كالغني تماما ؛ لأنها تجب على من عنده قوت يكفيه يوم وليلة العيد ؛ وهو بلا شك تجتمع عنده زكوات الحي كله ؛ فأصبحت واجبة عليه كالغني تماما ؛ فيخرجها لأخيه الفقير ؛ فإذا كان الفقير يمد يده طوال العام آخذاً ؛ فقد رفع الإسلام شأنه أن يمد يده في هذا اليوم معطياً لا آخذاً ؛ لتكتمل فرحة وسعادة وبهجة العيد في قلبه وقلب أولاده !!

وفي عيد الأضحى شرعت الأضحية وأصبحت سنة مؤكدة؛ ومن الفقهاء من أوجبها على القادر لأهميتها وفضلها ؛ لما فيها من إغناءٍ وإطعامٍ للفقراء وإدخال البهجة والسرور عليهم في هذا اليوم ؛ فإن فيهم من لا يأكل هذا اللحم من العام إلى العام؛ وهذا تنفيذ لأمر الله المكرر والمؤكد في القرآن ؛ حيث قال المولى – جل في علاه – عن الأضاحي: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ }(الحج: 28) . وقال: { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ } ( الحج: 36 ).

وإذا كان الإسلام رفع شأن الفقير أن يدفع زكاة الفطر تكريماً له ؛ فقد رفع شأنه في أخذه الأضحية؛ حيث يستوي هو والغني تماماً في الأخذ من الأضحية ولا سيما أقارب المضحي من الأغنياء والجيران؛ فكرَّم الإسلامُ الفقيرَ معطياً كالغني في عيد الفطر ؛ وآخذاً كالغني أيضاً في عيد الأضحى !!

بل إن هناك جمعياتٍ خيريةً ؛ ورجال أعمالٍ يذبحون أضاحي عن الفقراء من أهل الحي عندهم ؛ وهذه كلها مبادئ إسلامية رفيعة؛ فيها البر والإحسان والتعاون والتآلف والتواد والتراحم؛ وكلها مظاهر من التكريم والفرحة والبهجة وإدخال السرور على الفقراء والمساكين في العيدين الكريمين؛ فما أجمل هذا الدين الحنيف !

المسألة الثالثة: حكمتها:

 شرعت زكاة الفطر في شعبان، من السنة الثانية من الهجرة لتكون طهرة للصائم، مما عسى أن يكون وقع فيه من اللغو والرفث، ولتكون عونا للفقراء والمعوزين. فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ، مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ» (أبو داود وابن ماجة بسند حسن).

المسألة الرابعة: على من تجب؟

 تجب زكاة الفطر على المسلم المالك لمقدار صاع يزيد عن قوته وقوت عياله يوماً وليلة؛ فهي واجبة على كل فرد من المسلمين، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد ؛ صام أم لم يصم لعذر أو مرض ؛ فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:” فرَض رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم زكاةَ الفِطرِ، صاعًا من تمرٍ أو صاعًا من شعيرٍ، على العبدِ والحرِّ، والذكرِ والأنثى، والصغيرِ والكبيرِ، من المسلمينَ”. (البخاري).

وتجب عليه، عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته، كزوجته، وأبنائه، وخدمه الذين يتولى أمورهم، ويقوم بالإنفاق عليهم.

وكذلك الفقير الذي يأخذ الزكاة يجب عليه أن يخرج زكاة الفطر ؛ لأن عنده قوتاً يكفيه أكثر من يوم وليلة؛ وإخراجه للزكاة تكريمٌ له كما ذكر آنفاً .

المسألة الخامسة: مقدار زكاة الفطر:

 مقدار زكاة الفطر صاع من القمح، أو الشعير، أو التمر، أو الزبيب، أو الأقط، أو الأرز، أو الذرة أو العدس أو اللوبيا أو الفاصوليا أو نحو ذلك مما يعتبر قوتاً . فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:” كُنَّا نُخْرِجُ إِذْ كَانَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ ” . ( متفق عليه واللفظ لمسلم).

والصاع أربعة أمداد ؛ والمد حفنة بكفي الرجل المعتدل ؛ يعنى أربع حفنات زكاة فرد واحد ؛ ويقدر بحوالي 2 كيلو ونصف من الأرز تقريباً .

ولو عمدنا إلى صاع مصنوع عند الحداد وملأناه من جميع الحبوب والبقوليات سالفة الذكر؛ لاختلف الوزن لهذا الصاع تبعاً لثقل الحب وخفته من نوعٍ لآخر ؛ وأيضاً لاختلف السعر من سلعة لأخرى ؛ فليس الصاع من الزبيب كالصاع من الدقيق أو الأرز في الوزن والسعر وهكذا .

وإن دار الإفتاء المصرية حينما أقرَّت زكاة الفطر هذا العام 13 جنيهاً ؛ فإنها عمدت إلى أقل سعر من الحبوب والبقوليات سالفة الذكر ؛ وهو القمح والدقيق؛ حيث الكيلو بـ 5 جنيهات تقريبا؛ فيكون 2 كيلو ونصف بـ 13 جنيها ؛ وهو الحد الأدنى لزكاة الفطر .

وللأسف الجميع يتمسك بالحد الأدنى ويترك الحد الأقصى أو الأوسط ؛ فلو أخرجت صاعاً من التمر الوسط فإنه يعدل 50 جنيهاً تقريباً .

ولو أخرجت صاعاً من الأرز فإن سعر الكيلو عشرة جنيهات × 2.5 = 25 جنيهاً مع أنه غالب قوت البلد .

ولو أخرجت صاعاً من زبيب فإنه يزيد عن المائة جنيه .

فلو أخرجنا كلنا دقيقاً وتمسكنا بالحد الأدنى ؛ فمن أين يأكل الفقير بقية الأصناف ؟!!

فالفقير يريد أن يأكل مثلك تمراً وزبيباً وغيرهما من ألوان الأطعمة التي لا تدخل بيته إطلاقاً !!

فإذا كان الله قد وسع عليك فعليك أن تخرج من أجود الأشياء وأنفسها ؛ ولا تنظر إلى الدون؛ « فإن الله عز وجل يحب معالي الأمور ، ويكره سفسافها » ( الحاكم والطبراني). ولماذا ترضى بالحد الأدنى في زكاة الفطر مع سعتك وغناك ؛ ومع ذلك تطلب الفردوس الأعلى من الجنة ؟!!!

نخلص من ذلك إلى أن 13 جنيهاً حد أدنى ؛ وليس هناك حد أقصى ؛ فالأمر متروك للأغنياء كلٌّ بكرمه وجوده { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ }.( الطلاق: 7 ).

المسألة السادسة: حكم إخراج القيمة:

الأصل في جميع الزكوات أن تخرج من جنسها ؛ فالمال يخرج مال؛ والبهائم تخرج منها ؛ …….وهكذا

ولكن أجاز جمع من الفقهاء العدول من الأصل إلى القيمة في كل الزكوات ومنها زكاة الفطر .

وممن أجاز إخراج القيمة في زكاة الفطر من الصحابة – رضي الله عنهم-: ” عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله بن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم جميعًا ” ( انظر: عمدة القاري).

وممن قال بذلك من التابعين والسلف – رضي الله عنهم-: طاووس بن كيسان ؛ والإمام سفيان الثوري ؛ وعمر بن عبد العزيز وغيرهم . ومن الفقهاء الإمام أبو حنيفة النعمان.

والقول بجواز إخراج القيمة في زكاة الفطر –وغيرها-، مذهب الإمام البخاري- يرحمه الله – قال ابن رشيد : ” وافق البخاري في هذه المسألة الحنفية مع كثرة مخالفته لهم ، لكن قاده إلى ذلك الدليل “. ( فتح الباري).

ومن أجل ذلك عقد الإمام البخاري -يرحمه الله- في صحيحه، في كتاب الزكاة باباً بعنوان: (باب العَرْض في الزكاة ) والعرض : أي القيمة . وذكر تحته أربعة أحاديث تدل على جواز إخراج القيمة في الزكاة مطلقًا، ثم قاس عليها زكاة الفطر. ومن أبرز هذه الأحاديث حديث معاذ بن جبل- رضي الله عنه-.

قال الإمام البخاري: قَالَ طَاوُسٌ قَالَ مُعَاذٌ، -رَضِيَ الله عَنْهُ-، لأَهْلِ الْيَمَنِ : ائْتُونِي بِعَرْضٍ ثِيَابٍ خَمِيصٍ، أَوْ لَبِيسٍ فِي الصَّدَقَةِ مَكَانَ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ ؛ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ وَخَيْرٌ لأَصْحَابِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – بِالْمَدِينَةِ”.

وهذا الحديث يدل على جواز إخراج القيمة في زكاة الزروع؛ لأن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- كان أعلم الناس بالحلال والحرام، وقد بين له النبي – صلى الله عليه وسلم – لما أرسله إلى اليمن ما يصنع، وقد طلب من أهل اليمن أن يدفعوا قيمة مقدار زكاة زروعهم من الشعير والذرة ثيابًا ؛ مراعيًا في ذلك مصلحة الأغنياء والفقراء معًا، ولو كان ذلك التصرف من معاذ خلاف الصواب وقاله برأيه لرده النبي – صلى الله عليه وسلم – إلى الصواب. ويقاس على جواز إخراج القيمة في زكاة الزروع زكاة الفطر.

بل إن الإمام ابن تيمية نفسه – وهو المرجع الأصلي عند السلفيين – أجاز إخراج القيمة للمصلحة والحاجة .

 فقال في مجموع فتاويه: ” وأما إخراج القيمة للحاجة أو المصلحة أو العدل فلا بأس به “.

كذلك أجاز إخراج القيمة الأزهر الشريف ؛ ودار الإفتاء المصرية ؛ ومجمع البحوث الإسلامية .

ومما سبق يتبين لنا بجلاء جواز إخراج القيمة في زكاة الفطر؛ وذلك لما يلي:

أولًا: أنه عمل بعض الصحابة والتابعين، ومذهب الإمام أبي حنيفة النعمان، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد بن حنبل، ورأي ابن حبيب من المالكية، وشهاب الدين الرملي من الشافعية، والإمام ابن تيمية من الحنابلة، وهو مذهب الإمام البخاري -رحمه الله تعالى-، واختيار الإمام أبي جعفر الطحاوي من الحنفية وغيرهم كما سبق.

ثانيًا: أنه بإخراج القيمة في زكاة الفطر يتحقق الهدف من فرضيتها، وهو إغناء الفقير والمسكين وذوي الحاجة؛ فالإغناء يحصل بدفع القيمة كما يحصل بدفع الطعام.

ثالثًا: مراعاة مصلحة الفقير، وذلك أن إخراج القيمة يمكّنه من قضاء متطلباته من غذاء ودواء ودفع إيجار مسكن، وغير ذلك من متطلبات أولاده.

رابعًا: مراعاة التيسير على الناس الذين يدفعون الزكاة وخاصة الذين يسكنون في المدن الصناعية، أو أهل الحضر.

خامسًا: أنه تطورت ظروف المعيشة والحياة المنزلية، فأصبح الناس الآن في المدن والقرى والكفور وغيرها لا يطحنون القمح ولا يخبزونه بعد انتشار الأفران الآلية.

سادسًا: حماية الفقراء من استغلال بعض التجار؛ فقد تلاحظ في بعض الدول العربية التي تتمسك بإخراج الحبوب في زكاة الفطر، أن الفقراء يعرضون عليهم زكواتهم من الحبوب فيشترونها منهم أو يبدلونها لهم ببعض السلع الغذائية بسعر بخس، فيكون التاجر هو المستفيد من التقيد بإخراج الحبوب في زكاة الفطر، حيث يبيعها للمزكِّي بسعر ما، ويشتريها أو يستبدلها للفقير بسعر أقل. ( انظر : الشريعة الإسلامية وعلومها – أ.د / رضا عبد المجيد المتولي ) .

والخلاصة : أن من أخرج حبوباً فقد أخذ بظاهر النص ؛ وأن من أخرج القيمة فقد راعى مصلحة الفقير ولا ننكر عليه !!

المسألة السابعة: وقت وجوبها :

 اتفق الفقهاء على أن زكاة الفطر تجب مع فطر آخر يوم من رمضان، لذلك تسمى بزكاة الفطر .

 هذا هو وقت الوجوب.

أما وقت الجواز ؛ فجمهور الفقهاء على أنه يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل العيد بيوم، أو بيومين.

قال نافع: وكان ابن عمر يؤديها، قبل ذلك، باليوم، أو اليومين.

وعند أبي حنيفة: يجوز تقديمها على شهر رمضان. وقال الشافعي: يجوز التقديم من أول الشهر.

وقال مالك ومشهور مذهب أحمد: يجوز تقديمها يوما أو يومين.

والراجح أنه يستحب إخراجها في الأسبوع الأخير من رمضان؛ حتى يقضي الفقير حاجته قبل حلول العيد من ناحية ؛ وحتى يكون الصائم قد صام معظم الشهر من ناحية أخرى؛ لأنها تتعلق بالفطر وطهرة الصائم من اللغو والرفث ؛ وبهذا يمكن الجمع بين الآراء .

واتفقوا: على أنه لا يجوز تأخيرها عن يوم العيد . لحديث ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : ” فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ ، فَمَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلاَةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلاَةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ.” . ( ابن ماجة والحاكم وصححه).

واتفق الائمة على أن زكاة الفطر لا تسقط بالتأخير بعد الوجوب، بل تصير ديناً في ذمة من لزمته، حتى تؤدى، ولو في آخر العمر.

المسألة الثامنة: مصارف زكاة الفطر:

مصارف زكاة الفطر هي نفس مصارف الزكاة العامة للأصناف الثمانية المذكورة في سورة التوبة في قوله تعالى:

{ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. (التوبة: 60) .

والفقراء هم أولى الأصناف بها، لما تقدم في حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : ” فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ”.

ولما رواه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر وقال: « اغْنُوهُم فِي هَذَا الْيَوْمِ ». وفي رواية للبيهقي: « اغْنُوهُم عن طوافِ هذا اليومِ “.

المسألة التاسعة: حكم إعطاء الزكاة للأصول أو الفروع :

لا يجوز إعطاء الزكاة للأصول ( الأجداد والجدات وإن علوا ) ؛ ولا الفروع ( الأبناء والبنات وأولادهم وإن سفلوا ) . حتى ولو كانوا فقراء من أهل الزكاة ؛ لأنه يجب على كل واحد منهم أن يزيل فقر ومسكنة الآخر لزوماً لا منحة وتفضلاً.

أما إذا حمل أحدهم وصفاً آخر – غير الفقر والمسكنة – من الأصناف الثمانية المذكورة في سورة التوبة ؛ فإنه يجوز إعطاء الزكاة له باعتبار هذا الوصف ؛ كأن يكون غارماً : أي مديناً ؛ أو يكون من العاملين عليها ؛ أو في سبيل الله : أي الجهاد ؛ أو ابن السبيل : أي ابن الطريق المسافر الذي انقطعت به الحيل .

ويستثنى من ذلك البنت المتزوجة ؛ فإنه يجوز لأبيها أن يعطيها من الزكاة ؛ لأن نفقتها واجبة على زوجها ؛ فهو يعطيها لزوجها لا لابنته . والله أعلم .

المسألة العاشرة: حكم نقل الزكاة:

الأصل في الزكاة أن تخرج من أغنياء الحي لفقراء ذلك الحي ؛ لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : ” أَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ ؛ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ “.( البخاري ).

فقد جاء الضمير ( هم ) في قوله: ” تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ ” . ليفيد أن كل حي واجب عليه أن يكفل فقراءه . ومع ذلك يجوز نقل الزكاة إلى بلد آخر في حالتين :

الأولى: عند استيفاء واكتفاء جميع فقراء ذلك الحي ؛ وأن المال قد فاض عن حاجتهم .

الثانية : إذا كان له قريب معدم في بلد آخر ؛ فيعطى له ليأخذ الأجر مرتين صدقة وصلة . فعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:” الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ ؛ وَالصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ “. ( أحمد وابن ماجة والترمذي وحسنه).

وفي هذه الحال لا ينقلها لأقاربه كليةً ؛ بل يعطيهم جزءاً منها ليحصل الأجر مرتين؛ والجزء الباقي لأهل حيِّه لأن لهم حقاً عليه ؛ ونفوسهم متعلقة بهذا المال !!

هذه هي أحكام وأسرار زكاة الفطر ؛ جمعتها في هذه المسائل العشرة لتعم الفائدة .

هذا وما كان من توفيق فمن الله ؛ وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمنى ومن الشيطان .

والله أعلى وأعلم !!!

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *