المسائل العشر العظام التي يسأل عنها الأنام ويبدؤون بها في الآخرة

اعلم – وفَّقك الله – أن الله تعالى خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه، ويخافوه ويخشوه ويتقوه؛ قال الله تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وأن الناس بعد الموت مجزيُّون ومحاسبون؛ فمنهم أشقياء خاسرون، ومنهم سعداء فائزون، فالشقي من أشقاه الله، والسعيد من عمل لما بعد الموت، واستعد ليوم الحساب؛ قال الله تعالى: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ [المؤمنون: 115].

اعلم أرشدك الله لطاعته أن الناس خُلقوا ليُبتلوا، وأنهم مسؤولون في مسائل عشرة:

المسألة الأولى: وهي أعظم المسائل وآكد الأصول: عن ربهم وخالقهم وسيدهم، فإنهم يسألون عنه في قبورهم: ماذا عنه يعرفون؟ فيُقال للمقبور: ((من ربك؟))، فمن كان من أهل الإيمان، فإن الله يثبته، فيجيب: ((ربي الله))، ومن كان من أهل الكفر تخبط، ولم يدرِ ما يقول، فيقول: ((هاه هاه، لا أدري)).

ثم يُسألون عنه يوم القيامة: هل يعرفونه إذا رأوه؟ فإنه إذا لحقت كل أمةٍ ما كانت تعبد، وقف المؤمنون ينتظرون ربهم الذي كانوا يعرفون ويعبدون في الدنيا، ويكون من بينهم حينئذٍ المنافقون، ((فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، فيقول: هل بينكم وبين الله آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم، فيُكشف عن ساقٍ، فيخرون سجدًا أجمعين، ولا يبقى أحد كان يسجد في الدنيا سمعةً ولا رياءً ولا نفاقًا إلا على ظهره طَبَقٌ، وأخذ كلما أراد أن يسجد، خرَّ على قفاه…)).

الواجب لهذه المسألة:

فيجب على العبد إعداد الجواب لهذه المسألة العظيمة بمعرفة الرب سبحانه وتعالى حق المعرفة، وذلك بمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العلى، ومعرفة محابه لتؤتى، ومساخطه لتجتنب، ومعرفة أوامره لتُطاع، ونواهيه لتُترك؛ فإن صحة المعرفة به سبحانه أصل كل خير، وفسادها أصل كل شر.

ومعرفة الله تعالى تؤخذ من الكتاب والسنة، لا من غيرهما، فتجتنب فيها أقوال الناس، والشياطين، والعقول، والأهواء، والآراء، ولو كان عليها أكثر الناس.

المسألة الثانية: عن دينهم الذي كانوا يدينون به، فيُسأل العبد في قبره: ((ما دينك؟))، فإن كان من أهل الإيمان أجاب: ((ديني الإسلام))، وإن كان من أهل الكفر تخبط، ولم يدرِ ما يقول، فيقول: ((هاه هاه، لا أدري)).

ثم يُسأل الناس يوم القيامة، يناديهم ربهم: ﴿ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: 65].

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد معرفة دينه، دينِ الإسلام الذي ارتضاه الله لعباده، ولا يقبل سواه بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة، وأن يعلم أن الدين الحق ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب الذي أنزل الله عليه، والسنة التي أوحاها إليه، وأنه دين كامل لا نقص فيه أبدًا؛ لأن الذي كمَّله هو الله، فمن عرف ذلك واعتصم به، نجا من الفتن؛ قال حذيفة رضي الله عنه: “لا تضرك الفتنة ما عرفت دينك، إنما الفتنة إذا اشتبه عليك الحق والباطل”؛ (أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: ٩٥٦٣).

المسألة الثالثة: عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، فيُسألون في القبور: ((من نبيك؟))، ويسأل هو صلى الله عليه وسلم يوم القيامة عنهم؛ قال الله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41].

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد أن يعرف رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله إليه، وبلغه الرسالة، وبيَّن له الشرائع التي أمره الله بها، وأوضح له العبادة التي خلقنا الله لها، وحقيقة هذه المعرفة المطلوبة: العلم ببعض سيرته؛ لتكون شهادة أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم على علم ومعرفة؛ فمعرفته صلى الله عليه وسلم أصل من أصول الدين الذي ارتضاه الله للعالمين.

المسألة الرابعة: عن علمهم، فيُسألون عن المسائل الثلاث في القبر: ما علمهم بها؟ ومن أين اكتسبوه؟ فيُقال للمؤمن: ((وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنت به وصدقت))، ويُسأل المرء عن علمه يوم القيامة: ((ما عمِل فيه؟)).

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد أن يطلب من العلم ما ينفعه، وما يثبت به إيمانه، وأن ينظر فيمن يعلِّمه؛ فالعلم دين، ويجب عليه أن يعمل بعلمه، وأن يدعو إليه، فيكون عالمًا عاملًا معلمًا داعيًا.

المسألة الخامسة: عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن خزانته: ماذا وضع فيها من خير وشر؟ أي: ماذا عمل منذ بلغ وأصبح مكلفًا؟ هل أدى الفرائض والواجبات واجتنب المحرمات؟ فإن كان قد فعل ذلك نجا وسلم، وإن لم يكن فعل ذلك هلك؛ قال أبو يزيد: “إن الليل والنهار رأس مال المؤمن، ربْحُهما الجنة، وخسرانهما النار”.

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد أن يحفظ عمره وأيامه، وأن يعرف شرف زمانه وقدر وقته؛ فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة – من غير فتور – بما لا يعجز عنه البدن من العمل.

المسألة السادسة: عن جسده: فيمَ أبلاه؟ أي: فيمَ ضعف بصره وسمعه؟ وفيمَ رقت عظامه؟ وفيمَ شابت رأسه؟ فإن أبلى جسده في طاعة الله، سعد ونجا مع الناجين، وإن أبلى جسده في معصية الله، خسر وهلك؛ قال الله تعالى: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: 92، 93].

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد أن يشكر نعمة العافية، فلا يُبلي جسده إلا في محابِّ الله وما يرضيه، مقدمًا ما افترضه عليه وأوجبه، وأن يعلم أنه مسؤول عن كل عضو في جسده، وأنها جميعًا مستنطقة يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 24، 25].

المسألة السابعة: عن المال الذى كان فى يده فى الدنيا: من أين اكتسبه؟ أمن حرام أم من حلال؟ وهل أدى حق الله فيه، فأنفقه في ما شرع له، أم أنفقه فيما حرم الله وضيَّعه؟

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد ألَّا يكسب إلا من حلال لينجو، وألَّا ينفق إلا في مشروع ليسلم، وأن يؤدي حق الله فيما استرعاه ليفلح ويسعد.

المسألة الثامنة: عن عموم النعم من شبع البطون، وبارد الماء، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم؛ قال سعيد بن جبير: “حتى عن شربة عسل”؛ قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: 8]؛ قال مجاهد: “عن كل لذة من لذات الدنيا”، وقال الحسن البصري: “من النعيم: الغذاء والعشاء”، وقال أبو قلابة: “من النعيم: أكل السمن والعسل بالخبز النقي”، وعن ابن عباس قال: “النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار”.

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد أن يذكر نعمة الله عليه فيشكره ولا يكفره، وأن يُحدَّث بها، ويؤدي حق الله فيها، ويستغفره من تقصيره.

المسألة التاسعة: عن الصلاة؛ فإنها ((أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة))؛ يعني: من العبادات، ((فإن صلحت فقد أفلح وأنجح، وإن فسدت فقد خاب وخسر))، وهي أعظم الأعمال، وآكد أركان الإسلام بعد الشهادتين؛ فهي عنوان إسلام العبد، ودلالة إيمانه.

الواجب لهذه المسألة:

فالواجب على العبد أن يحفظ صلاته فلا يضيعها؛ يحفظ وقتها، وجماعتها، وحقها، وشروطها، وأركانها، وواجباتها، وأن يكثر من صلاة النوافل.

المسألة العاشرة: في مظالم العباد، وأول ما يقضى فيه منها: الدماء، فهي أول ما يقضى فيه بين الخلائق يوم القيامة، فإن الله تعالى يحاسب الخلائق يوم القيامة، ثم يقضي بينهم بعدله، ويبدأ من المظالم بالأهم؛ فالدماء هي أعظم وأهم ما يكون من المظالم بين العباد؛ فتكون أول ما يقضي به منها في ذلك اليوم العظيم.

الواجب لهذه المسألة:

فيجب على العبد أن يؤدي حقوق العباد، وأن يجتنب المظالم، وبخاصة الدماء؛ فإنه ((لا يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا))؛ [صححه الألباني في غاية المرام: 44]، و((كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه))؛ [مسلم: ٤٦٥٦].

تمت بحمد الله.

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *