الستر من مكارم الاخلاق

إن الإسلام دين الفضائل والمكارم والأخلاق الحميدة»

إن من الأخلاق الكريمة والخصال الحميدة التي دعا إليها ديننا الحنيف: الستر على المسلمين، وإقالة عثراتهم، وإعانتهم بعد الزلة والوقوع بالستر عليهم، وإعانتهم على التوبة والرجوع، والنهوض من جديد لمواصلة مشوار الحياة الدنيا والسير في أرض الله عابدين لربهم، مستغفرين إياه، راجين رحمته ومغفرته، غير يائسين من رحمة ربهم».

«إن كل بني آدم خطّاء، وكل امرئ معرّض للزلل والخطأ، وما سُمّى الإنسان إنساناً إلا لنسيانه وضعفه، وإن الله لم يجعل العصمة من الخطأ إلا لأنبيائه ورسله، أما من دونهم فإنه يحوم حول الخطأ والنسيان

ليس عيباً أن يزلّ المرء مرة، ولكن العيب كله أن يزل مرة ومرتين ثم لا يتوب من زلته أو زلاته، ولا يُحدث توبة واستغفاراً، وأن يصر على الخطأ والزلل، بل يفاخر بخطئه.

 الستر على المسلم هو تغطية عيوبه وإخفاء هنّاته، ما دام أنه يقع لأول مرة، وليس من أصحاب المتكررات والمداومة على المنكرات والإصرار على غشيان المحرمات.

النووي رحمه الله: «المراد بالستر: الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس معروفاً بالأذى والفساد. فأما المعروف بذلك، فيُستحب ألا يُستر عليه، بل يُرفع أمره إلى ولي الأمر؛ لأن الستر على هذا المعروف بالمعاودة يطمّعه في الإيذاء والفساد».

«إن المرء نفسه مطالب أن يستر على نفسه إذا ابتُلي وألا يكشف أمره، وقد أمر الله تعالى ورسوله بهذا الخلق الكريم، حفظاً لحرمة المسلمين، وصيانة لأعراضهم. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله حَيِىٌّ سِتّيرٌ يحب الحياء والستر). وفي رواية: (حليمٌ حيىٌّ سِتّيرٌ). رواه أبوداود والنسائي. ومعنى الحديث: أنه سبحانه تارك للقبائح، ساتر للعيوب والفضائح، يحب الحياء والستر من العبد؛ ليكون متخلقاً بأخلاقه عز وجل».

في هذا السياق قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه»، حتى قال: «(ومن ستر مسلماً، ستره الله يوم القيامة). رواه البخاري ومسلم. وقال لرجل كاشفاً فخذه: (غَطِّ فخذك؛ فإنها من العورة). رواه الترمذي وقال: حديث حسن. وقال عليه الصلاة والسلام: (إياكم والتعرّي؛ فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يُفضي الرجل إلى أهله، فاستحيوهم وأكرموهم). يعني الملائكة. رواه الترمذي. ووقع ثوبُ رجل عن بدنه، فأخذ يمشي عُرياناً، فقال له: خذ عليك ثوبك، ولا تمشوا عُراة). رواه أبوداود وهو صحيح. وكما أمر الرجالَ بالستر، فقد أمر النساء فقال: ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله تعالى. رواه الترمذي وأبوداود وهو صحيح».
وقال: «(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يُدخِلْ حليلته الحمام). يعني زوجته وأهله. والحمام هو الحمامات العامة التي يغتسل فيها النساء، وكان موجوداً في الأزمان الفائتة، وهو موجود في هذا الزمان، ولكنه بغير هذا الاسم، ولكن النهي يجري عليها كلها ولا شك».

 أن الأنبياء والمرسلين اتصفوا بهذا الخلق الكريم؛ فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلما دعا إلى الاستتار والتستر، فإنه كان يستر نفسه إذا أراد الخلاء وقضاء الحاجة، فكان يبتعد بعيداً عن الأنظار، وكان إذا لم يجد شيئاً يستتر بالشجر وغيره»، لافتاً إلى أن موسى عليه السلام كان يأبى أن يغتسل مع بني إسرائيل جميعاً، حيث كانوا يغتسلون في النهر عُراة ينظر بعضهم إلى بعض، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فاتهموا موسى عليه السلام بأن عيباً خَلقياً فيه منعه من الاغتسال معهم، كالبرص وغيره، ولم يكن فيه شيء إلا الستر والحياء عليه الصلاة والسلام، وهذا الذي يقول الله تعالى فيه: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِندَ اللهِ وَجِيهاً}.
وأوضح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاستتار حتى حين يخلو المسلم بنفسه، حياء من الله عز وجل وملائكته، فقال لرجل سأله عن العورة كيف ومتى تُستر وعمن تُستر، ومن يمكن أن تظهر عنده؟ فقال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك»، فقال الرجل: إذا كان أحدنا خالياً -يعني لا أحد معه-؟ قال: «الله أحق أن يُستحيا منه من الناس». رواه أبوداود والترمذي.
وأضاف: «علّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستتر من الجن بقوله: (ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الكنيف أن يقول: بسم الله). رواه الترمذي وابن ماجه وهو صحيح. حتى دلنا وحثنا على أن نستتر من النار بأعمالنا الصالحة بعد رحمة الله، وذلك بقوله: (من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة فليفعل). رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (من ابتُلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن، كنّ له ستراً من النار) .متفق عليه. يعني من امتُحن بأن رزقه الله بنات فرباهن وحافظ عليهن ووجّههن الوجهة المستقيمة، كافأه الله تعالى يوم القيامة بأن يحول بينه وبين النار».

من ثمرات هذا الخلق يوم الدين؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة». وإن الله تعالى ليقرر عبده يوم القيامة بذنوبه، فيعترف العبد، فيقول الله تعالى: «سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم»،

إن هناك خلقاً سيئاً خسيساً يقابل خلق الستر الكريم، وقد توعّد الله ورسوله صاحبه، وهو خلق الفضيحة ونشر الرذيلة والأخبار وكشف العورات وأعراض المسلمين، وهو خلق محرّم»، لافتاً إلى قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ). والمراد بإشاعة الفاحشة في الآية: إشاعتها على مؤمن وقع فيها، أو اتهم مما هو منها براء كما في قضية الإفك. وأضاف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من كشف عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته». وقال: «يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم؛ فإنه من اتبع عوراتهم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته». رواه أحمد وأبوداود. ورُوي عن بعض السلف أنه قال: «أدركت قوماً لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس؛ فذكر الناس عيوبهم. وأدركت قوماً كانت لهم عيوب، فكفوا عن عيوب الناس؛ فنُسيت عيوبهم».

إن فضح الناس تصرّفٌ أعوج، يصدر من امرئ عمي قلبه قبل بصره، كم فيه من خراب البيوت وهدم الأسر! فاتقوا الله يا أمة الإسلام، واحذروا من التعرض لسخط الله، وازجروا الهدَمة الذين يهدمون ولا يبنون، ويفسدون ولا يصلحون»

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *