من هدي النبي ص في صلة الرحم

من هدي النبي ص في صلة الرحم:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرق الناس، وأعفهم، وأوصلهم، وأحلمهم ؛ ولذلك ذكر الله خُلُقَه ومناقبه في القرآن، فقال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[القلم:4]

وقال له:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[آل عمران:159]

فقد بلغ في صلة الرحم مبلغاً عظيماً، ضرب به المثل على مرِّ التاريخ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه صلى الله عليه وسلم، قام قرابته ـ أبناء عمه وأقاربه ـ فأخرجوه من مكة، وطاردوه وشتموه وآذوه، حاربوه في المعارك، ونازلوه في الميدان، وقاموا بحرب عسكرية وإعلامية واقتصادية ضده، فلما انتصر ماذا فعل ؟
دخل مكة منتصرا ً، ووقفت له الأعلام مكبرة، وطنت بذكر نصره الجبال والوهاد، فلما انتصر، وقف عند حلق باب الكعبة صلى الله عليه وسلم منحنياً، وهو يقول للقرابة وللعمومة:

((ما ترون أني فاعل بكم ؟ فيتصورون الجزاء المر، والقتل الحار، والموت الأحمر، فيقولون وهم يتباكون: أخ كريم، وابن أخ كريم، فتدمع عيناه، ويقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[السيرة النبوية]

كأنه يقول: عفا الله عنكم وسامحكم.
ويأتي ابن عمه أبو سفيان بن الحارث، فيسمع بالانتصار، وقد آذى الرسول عليه الصلاة والسلام، وشتمه وقاتله، فيأخذ هذا الرجل أطفاله، ويخرج من مكة، فيلقاه علي بن أبي طالب، ويقول: يا أبا سفيان ! إلى أين تذهب ؟ قال: أذهب بأطفالي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعرياً! والله إن ظفر بي محمد ليقطعني بالسيف إرباً إِرباً ! فيقول علي ـ وهو يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أخطأت يا أبا سفيان ! إن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصل الناس، وأبر الناس، وأكرم الناس، فعد إليه، وسلم عليه بالنبوة، وقل له كما قال إخوة يوسف ليوسف:

﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾

[يوسف:91]

فيأتي بأطفاله، ويقف على رأس المصطفى صلى الله عليه وسلم، ويقول: يا رسول الله! السلام عليك ورحمة الله وبركاته:

﴿ تَا للَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾

فيبكي عليه الصلاة والسلام، وينسى تلك الأيام، وتلك الأعمال، وتلك الصحف السوداء، ويقول:

﴿ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾

ولنا في رسول الله أسوة حسنة
ويقول أبو سفيان بن حرب: يا بن أخي، ما أوصلك ؟ ما أرحمك ؟ ما أحكمك ؟ ما أعقلك ؟
فهل من متسم بأخلاقه ؟ وهل من مقتد بأفعاله ؟ فإنه الأسوةُ الحقة، وإن اتباعه نجاة من العار والدمار والنار.
تأتيه أخته من الرضاعة صلى الله عليه وسلم، وقد ابتعدت عنه عقوداً عديدة، فتأتيه وهو لا يعرفها، وهي لا تعرفه، وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاع، وهو تحت سدرة عليه الصلاة والسلام، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن، فيقول لها الصحابة: من أنت ؟ فتقول: أنا أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية، فيخبرون الرسول عليه الصلاة والسلام فيتذكر القربى وصلة الرحم، ويقوم لها ليلقاها في الطريق، ويرحب بها ترحيب الأخ لأخته بعد طول غياب، وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها ويجلسها مكانه، ويظللها من الشمس.
تصوروا رسول البشرية، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، يظلل هذه العجوز أخته من الرضاع من الشمس، ويترك الناس وشئون الناس، ويقبل عليها ويسألها، ويقول لها: يا أختاه كيف حالكم ؟: يا أختاه اختاري الحياة عندي، أو تريدين أهلك ؟ فتقول: أريد أهلي، فيمتعها بالمال ويعطيها مئة ناقة، ليعلمِّ الناس صلة الأرحام .
يا سيدي، يا رسول الله، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك !!!
يا سيدي يا رسول الله، نقل عنك في أحاديثك الصحيحة، أنك تقلق أشد القلق، يوم القيامة على أمتك، فتقول أمتي، أمتي، فيقال لك لا تدري ماذا أحدثوا بعدك ؟
يا سيدي يا رسول الله، الذي أحدثوه بعدك أنهم قطعوا عماتهم وخالاتهم، وبناتهم وأخواتهم ؟ وحرموهن من الميراث الذي فرضه الله لهن، وقطعوهن من الصلة والزيارة ؛ حتى سمعنا ورأينا من الأمهات الفقيرات من تضطر الواحدة منهن أن تقيم دعوى على ابنها المترف من أجل أن ينفق عليها، هان أمر الله علينا من بعدك فهنا على الله .

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Previous Article
Next Article

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

من هدي النبي ص في صلة الرحم

time to read: <1 min
0
error: Content is protected !!
WhatsApp chat