الفرق بين السعادة واللذة

الفرق بين السعادة واللذة:
أيها الأخوة الأكارم، السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكلّ إنسان كائناً من كان، وفي كلّ زمانٍ ومكان، من الفيلسوف في قمّة تفكيره إلى العاميّ في قاع سذاجته، ومن الملِكِ في قصره المشيد إلى الصعلوك في كوخه الحقير، ومن المتْرف في ملذّاته إلى الفقير في ويْلاتِهِ، ولكنّ السؤال الذي حيَّر الإنسان عبْر العصور والأجيال أين السعادة ؟ ولماذا الشقاء ؟ والجواب: لقد طلبَها أكثر الناسِ في غير موْضِعها، فعادوا كما يعود طالب اللّؤلؤ في الصّحراء، صفْر اليدين، مجهود البدَن، كثير النّفْس، خائبَ الرّجاء، لقد توهّموها في ألوانٍ من المُتَعِ الماديّة، وفي أصنافٍ من الشّهوات الحسيّة، فما وجدوها تحقّق السعادة أبداً، وربّما زادتْهم مع كلّ جديد منها همّاً جديداً، خُذْ من الدّنيا ما شئْت وخُذْ بقدرها همّاً، ومن أخذ من الدّنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفهِ وهو لا يشعر، ولا بد من التفريق بين السعادة واللّذّة، فاللّذة أيها الأخوة طبيعتها حِسِيَّة، مرتبطة بالجسد الفاني، تأتي من خارج الإنسان، فهو يلهثُ وراءها، متعبةٌ في تحصيلها، متناقصةٌ في تأثيرها، تتْبعها كآبةٌ مدمِّرة، تنقطع بالموت، فإن كانتْ مبنيّة على الظنّ والعدوان اسْتحقّ صاحبها جهنّم إلى أبد الآبدين، بينما السعادة طبيعتها نفسيّة مرتبطةٌ بذات الإنسان الخالدة، تنبعُ من داخل الإنسان، سهلةٌ في تحصيلها، متناميَةٌ في تأثيرها، يشفى الإنسان بِفَقْدها ولو ملكَ كلّ شيء، ويسْعد بها ولو فقدَ كلّ شيء، تقفز إلى ملايين الأضعاف بعد الموت، ويستحقّ صاحبها جنّة عرضها السماوات والأرض فيها ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، وفيها نظرٌ إلى وجه الله الكريم، ورضوانٌ من الله أكبر.
أيها الأخوة، واللّذّة تحتاجُ إلى عناصر ثلاثة ؛ وقتٌ وصحّةٌ ومال، والإنسان يفتقد أحد هذه العناصر في كلّ طورٍ من أطوار حياته، ففي الطّور الأوّل من حياته يتوافر له الوقت والصحّة ويفتقد المال، وفي الطور الثاني من حياته يتوافر المال والصحّة ويفتقد الوقت، وفي الطور الثالث من حياته يتوافر الوقت والمال ويفتقد الصحّة، بينما السعادة تحتاج إلى عناصر ثلاثة ؛ إيمان بالله إيماناً حقيقيّاً، واستقامةُ على أمره، وعملٌ صالح تجاه خلقه، وهذه متوافرةٌ في كلّ زمان ومكان، وفي كلّ طورٍ من حياة الإنسان.
غاضبَ زوجٌ زوجته، فقال لها متوعِّداً: لأُشْقِيَنَّكِ ! فقالتْ الزوجة في هدوء: لا تستطيع أن تُشقيَني، ولا تملك أن تُسعدني، فقال الزوج في حمق: وكيف لا أستطيع ؟ فقالتْ الزوجة في ثقة: لو كانتْ السعادة في مال وكنت تملكهُ لقطعْتهُ عنّي، ولو كانت السعادة في الحليّ لحرمْتني منها، ولكنّها في شيءٍ لا تملكهُ أنت، ولا الناس جميعاً، فقال الزوج في دهشة: وما هو ؟ فقالت الزوجة في يقين: إنّي أجدُ سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحدٍ عليه غير ربّي.

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Previous Article
Next Article

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

الفرق بين السعادة واللذة

time to read: <1 min
0
error: Content is protected !!
WhatsApp chat