سحائب الرحمة رمضان 2019 الدرس العشرون

سحائب الرحمة رمضان 2019 الخطبة والدرس العشرين

زيغ القلوب

الحمد لله ذي الطول والإنعام، والبر والإتمام؛ عمّ جوده الأنام، ووسع عفوه الآثام، قيوم لا ينام، عدل لا يضيم ولا يضام، وأشهد ألا إلا الله وحده لا شريك له المؤمن السلام، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، – صلى الله عليه وسلم – وعلى آله وصحبه الكرام.

أما بعد، فاتقوا الله أيها المؤمنون، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: 102]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70، 71] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18].

أيها المسلمون!

القلب من عجيب صنع الخالق، وحسن إبداعه، تلك المضغة التي حواها جوف ابن آدم؛ فكانت ملكاً لسائر بدنه، يصلح بصلاحها، ويفسد بفسادها، توجهه وتمنعه، تخفضه وترفعه، تضره وتنفعه، تفرقه وتجمعه، حجم صغير وأثر كبير، يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ ” رواه البخاري ومسلم. يقول أبو هريرة رضي الله عنه: ” الْقَلْبُ مَلِكٌ وَلَهُ جُنُودٌ، فَإِذَا صَلُحَ الْمَلِكُ صَلُحَتْ جُنودُهُ، وَإِذَا فَسَدَ الْمَلِكُ فَسَدَتْ جُنودُهُ “، ولذا كان محطَّ نظر الرب جل وعلا والأعمالُ الناشئةُ عنه، يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُم ” رواه مسلم. ومن هنا وجب على المرء أن يعنى بصلاح قلبه، وأن يتفقد أحواله؛ إذ لا نجاة يومَ الدين إلا بالقلب السليم.

معشر الإخوة!

القلب كثير التقلب والآفات؛ فما سمي قلباً إلا لكثرة تقلبه، والآفات التي تغشاه شتى، ألا وإن أخطر هذه الآفات مرضُ الزيغ الذي يعني الميل والانحراف عن الحق والشك فيه بعد الثبات واليقين.

أيها المؤمنون!

إن الزيغ داء جد خطير، إذ به يرتكس القلب، ويحور بعد كوره، وتزل الأقدام بعد ثبوتها، وينقض الغزل من بعد القوة أنكاثاً. وأشد ما يكون الزيغ خطراً إن زاغ العالِم ومن يُقتدى به؛ لكثرة من يتبعه، مع ما قد يُلِّبس به زيغَه من الحق، قال زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ: قَالَ لِي عُمَرُ: «هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟» قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: «يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ ». رواه الدارمي.

هذا، وإن لداء الزيغ أعراضاً وعلامات، يجمل العلم بها؛ لتجتنب حال السلامة، ويعالج القلب حال وجودها، فمن تلك العلامات: اتباع المتشابه من نصوص الوحي الذي في دلالتها اشتباه وترك الواضح الذي لا اشتباه فيه، كما قال الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ ﴾ [آل عمران: 7]، ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم -: “فَإِذَا رأيتَ الَّذِينَ يتَّبِعُون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ فَاحْذَرُوهُمْ “رواه البخاري، ومن علامات زيغ القلب: الشك في ثوابت الدين ومحكماته، كمن شكك في تكفير اليهود والنصارى بعد بعثة النبي – صلى الله عليه وسلم -، أو شكك في حرمة اختلاط الرجال بالنساء فيما لا ضرورة فيه؛ فقد فسر ترجمان القران ابن عباس رضي الله عنهما قول الله تعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ بأنهم أهل الشك، ومن علامات الزيغ: تبدل الآراء الشرعية بمعزل عن الأدلة المعتبرة، يقول حذيفة رضي الله عنه: “مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْلَمَ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ أَمْ لَا فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ كَانَ يَرَى حَرَامًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَلَالًا، أَوْ يَرَى حَلَالًا مَا كَانَ يَرَاهُ حَرَامًا، فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْفِتْنَةُ” رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.

أيها المؤمنون!

زيغ القلوب داء مبدؤه المرء، لمّا تلبس بأسباب الزيغ أزاغ الله قلبه، ولا يظلم ربك أحداً، ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: 5]، ومن أهم أسباب الزيغ: الانهماك في الدنيا ونسيان الآخرة وضعف الإيمان بها: كما قال الله تعالى ﴿ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ﴾ [الأنعام: 113]، قال ابن عباس في تفسيرها: ولتزيغ إليه قلوبهم. ونسيان الآخرة أعظم سبب للطغيان، ألم يقل الله عن فرعون وجنوده: ﴿ وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 39]. والكبر والإعراض عن الحق من أسباب زيغ القلوب كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [التوبة: 127].

ومن أسباب زيغ القلوب:

الاسترسال مع وساوس الشيطان وعدم قطعها، ولذا كان من علامة يقظة القلب سرعة تبصره عند وقوع زيغ فيه كما قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ ﴾(أي: زيغ) ﴿ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201] أي: يعرفون أنهم في غي وحينئذ يستغفرون الله تعالى.

ومن أسباب الزيغ:

مصاحبة الزائغين من المبتدعة والمفتونين والاستئناس بهم والدخول في مواقعهم والنظر إلى برامجهم وقراءة كتبهم، يقول عمرو بن قيس: “لا تجالس صاحب زيغ فيزيغَ قلبُك”، فالقلوب ضعيفة، والشبه خطافة، والمعصوم من عصمه الله. ومن أسباب الزيغ: ترك شئ من سنة النبي – صلى الله عليه وسلم -، يقول الله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [النور: 63]، يقول أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ” لست تاركا شيئا كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يعمل به إلا عملت به، وإني لأخشى إن تركت شيئاً من أمره أن أزيغ ” رواه ابن بطة.

بارك الله…

الخطبة الثانية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه الهداة، وبعد:

فاعلموا…

معشر المؤمنين!

بتجنب أسباب المرض تحصل الوقاية بأمر الله، والأدواء تعالج بأضدادها، والوقاية خير من العلاج، وإن ثمة أموراً تقي القلب من داء الزيغ، وتعالجه حال وقوعه بأمر الله. جماع هذه الأمور: الرسوخ في العلم المتلقّى من الأدلة الشرعية وأهله الراسخين الذين من أبرز صفاتهم:

ردُّ المتشابه من النصوص إلى المحكم الواضح، والاطرادُ في المنهج والمبادئ التي قامت على أصول ثابتة، والخشيةُ، وذكرُ الموت والدار الآخرة، والتواضعُ للخلق والحق، والعملُ بالعلم، وخوفُ الزيغ، ولزومُ عتبة الدعاء ألا يزيغ الله قلوبهم؛ فكان شعارهم: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8]، “يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك”. ذاكم – عباد الله – داء زيغ القلوب، وعلائمه، وأسبابه، وطريق الوقاية منه وعلاجِه. ربنا لا تزغ قلوبنا…

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Previous Article
Next Article

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

سحائب الرحمة رمضان 2019 الدرس العشرون

time to read: <1 min
0
error: Content is protected !!
WhatsApp chat