من رحمة الله في مواسم الطاعات

(خطبة بعد حج عام 1440هـ)  إن الحمد لله… أما بعد: فيا عباد الله: ربط اللهُ تعالى تحقيق التقوى بأولي الألباب، فقال جل ذكره: ﴿ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 197]، وفي آية أخرى جعلها وصية للأولين والآخرين: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [النساء: 131].

بل أوضحَ سبحانه أن كُلَّ هذا لأجلنا – والله تعالى غني عنَّا – ولذا قال في تتمة الآية: ﴿ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴾ [النساء: 131]، فليسأل كُلٌّ منَّا نفسَه هل حقق التقوى؟ التقوى التي تجمعُ محبةَ الله والخوفَ منه ورجاءَه!

أيها الأحبة: الأيامُ تسرعُ بنا إلى لقاءِ ربِّنا، فتُقَرِّبُ كلَّ بعيد، وتُفني كلَّ جديد، ولا يبتدئُ عامٌ إلا وينتهي، وها هو ذا رمضان مرَّ كلمح البصر، وأعقبه الحج ثم مضى سريعاً وينتهي به العام الهجري؛ فيخلفه عام جديد..

ووالله إن مواسمَ العبادة لهي رحمةٌ من رحماتِ المولى تبارك وتعالى، يجدد فيها المؤمن نشاطه للعبادة وعلاقته بربه وخالقه، ورحمة الله تعالى التي تتنزل على المؤمنين في الدنيا لهي من أعظم نعم الله التي لا تعد ولا تحصى..

أليس هو القائل جل وعلا: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [الأعراف: 156]؟ ألم يقل سبحانه: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾؟

قال الإمام البغوي رحمه الله: قوله تعالى: ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عموم، أي لا نهاية لها، أي من دخل فيها لم تعجز عنه. وقيل: وسعت كل شيء من الخلق حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها. قال بعض المفسرين: طمع في هذه الآية كل شيء حتى إبليس، فقال: أنا شيء؛ فقال الله تعالى: ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾ فقالت اليهود والنصارى: نحن متقون؛ فقال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾ الآية. فخرجت الآية عن العموم، والحمد لله.

روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كتبها الله عز وجل لهذه الأمة…

أيها الأحبة: ولمّا كانت المواسم الفاضلة من رحمة الله تعالى صار المؤمن يعيش الطاعة فيها بلذة ومناجاة عجيبة وخشوع مهيب بين محبة الله وخوفه ورجائه.. والمؤمن في هذه الحال يرسل الله له مبشرات لطمأنته بقبوله كالراحة والإقبال على الذكر والدعاء والتوفيق والتيسير في أداء العبادة.. ومن المبشرات الغيث والمطر إذ يقول جل شأنه: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾.. وهذا ما حصل في حج هذا العام بحمد الله، فرحمات الله وبركاته تنزلت وأمطرت السماء وازدان الجو بعد أن كان صيفاً حاراً.. فكأن قطرات المطر في المشاعر تقول للأمة وهي تعيش صراعات الخوف والتمزق وانتشار الفساد: تفاءلي يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم فوالله لن يخيبك الله تعالى وإنك لمنصورةٌ فأبشري، فالله يقول: ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ ويقول جل شأنه: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾.

أبشري فالله مطلع على جميع أحوالك ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾، ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾.

فسبحانه من رب عظيم كريم رحيم، ما أوسع عطاءه سبحانه! ما أجزل هباته سبحانه! ما أعظم فضله! مَن تقرَّبَ إليه شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة، ومن أقبل إليه تلقَّاه من بعيد، ومن أعرض عنه ناداه من قريب، يشكر على اليسير من العمل، ويغفر الكثير من الزلل، رحمته سبقت غضبه، وحلمه سبق مؤاخذته، وعفوه سبق عقوبته.

أعلن محبته للتائبين، ومغفرته للمستغفرين، ورضاه عن المتطهرين، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ [البقرة:222]، ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى ﴾ [طه:82]. وينادي عباده المقصرين نداء المتلطف، ويدعو المسرفين دعاء الحاني، فيقول تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الزمر:53].

ومع هذا كله فإياك أيها العبد الخاشع الطائع في المواسم أن تتساهل بعد ذلك في صغائر الذنوب فضلاً عن كبارها والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إياكم ومحقراتِ الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجلِ حتى يهلكنه” بل وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “إن المؤمنَ يرى ذنوبَه كأنه قاعدٌ تحت جبلٍ يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مر على أنفه فقال به هكذا”!

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “إن الطاعة نوراً في الوجه، ونوراً في القلب، ونوراً في البدن، وسعةً في الرزق، ومحبةً في قلوب الخلق، وإنَّ للمعصية سواداً في الوجه، وظلمةً في القلب والقبر، ووهناً في البدن، وضيقاً في الرزق، وبُغضاً في قلوب الخلق”.

قال – جل وعلا -: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96] أي: محبةً ومكانةً في قلوبِ عباده المؤمنين، واضربْ مع أهل كل عبوديةٍ بسهم..

وفي الحديث: “لا تصاحب إلا مؤمناً ولا يأكل طعامك إلا تقي”…

نعم لأنك إذا رأيت الموفقين سبقوك احتقرت نفسك وسارعت الخطى لتلحق بالركب..

أقول قولي هذا وأستغفر الله.

الخطبة الثانية

الحمد لله:

أيها الأخ المبارك: سُرْعَانَ ما يَبْطُلُ العملُ إذا كان لغيرِ الله.. فآهٍ ثم آهٍ على أعمالٍ ضاعت قُصد بها غيرُ وجهِ الله.. والله يقول: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ﴾ [آل عمران: 145] بل وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [النجم: 29] بل الأمرُ أعظم من ذلك فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ” رواه مسلم.

رزقنا الله الإخلاص في القول والعمل وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.. اللهم وفق وسدد كل من أعان وأشرف على خدمة الحجيج وسهّل طرقهم وسهر على راحتهم، وخص ولاة أمرنا وعلماءنا، إنك سميع مجيب.

Print Friendly, PDF & Email

How useful was this post?

Click on a star to rate it!

Average rating / 5. Vote count:

As you found this post useful...

Follow us on social media!

We are sorry that this post was not useful for you!

Let us improve this post!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *